ابن بسام

357

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

في ذكر الأديب أبي محمد عبد الجليل بن وهبون المرسي « 1 » شمس الزمان وبدره ، وسرّ الإحسان وجهره ، ومستودع البيان ومستقرّه ، / آخر من أفرغ في وقتنا فنون المقال « 2 » ، في قوالب السحر الحلال ، وقيّد شوارد الألباب ، بأرقّ من ملح العتاب ، وأروق من غفلات الشباب ؛ وكورة تدمير أفقه الذي منه طلع ، وعارضه الذي فيه لمع ، وإنما ذكرته في هذا القسم الغربيّ مع أهل إشبيلية لأنها بيت شرفه المشهور ، ومسقط عيشه المشكور ، طرأ عليها منتحلا للطّلب ، وقد شدا طرفا من الأدب ، وكان الأستاذ أبو الحجاج الأعلم « 3 » يومئذ زعيم البلد ، وأستاذ ولد المعتمد ، فعوّل عليه من رحلته ، وانقطع إليه بتفصيله وجملته ، وكانت له في أثناء ذلك همّة تترامى به إلى العلا ، ترامي السّيل من أعالي الزّبى ، وكان بين الأستاذين أبي الحجاج وأبي مروان ابن سراج « 4 » ما يكون بين فحلين في هجمة ، وزعيمين [ 92 ب ] من أمّة ، فاتفق أن كتب ابن سراج إلى المعتمد بشعر بائي من شطر الوافر يمدحه فيه ، وكأنه - زعموا - عرّض بقرنه ومباريه ، وأعلم بذلك الأعلم ، فصمت عن جوابه وأحجم ، وولّاها عبد الجليل فأطلعه في أفقها قمرا ، ونبّه منه لحربها عمرا « 5 » ، فقال قصيدته البائية التي أوّلها : / هوى بين النجوم له قباب ومع أنها ليست لا حقة بعيون شعره ، لما سمعها ابن عمار خادم الدولة يومئذ طار بذكره ، وأجناه ثمارها ، وباهى به أقمارها ، وخلع عليه أصائلها وأسحارها ، ووافق من المعتمد ناقدا بصيرا ، وعاشقا قديرا ، فأغلى بتلك الأعلاق ، وأقام له الدنيا على ساق ، وقصر عبد الجليل على هواه ، فلم يرحل إلى ملك سواه .

--> ( 1 ) ترجمته في بغية الملتمس رقم : 1101 ، والمطرب : 118 ، والقلائد : 242 ، والخريدة 2 : 95 ، والمعجب : 159 ، والنفح 1 : 657 ( نقلا عن القلائد ) ومواطن أخرى متفرقة . والمسالك 11 : 219 ، والسلفي : 19 ، ومواطن مختلفة في بدائع البداية ، ورايات المبرزين 77 ( غ ) . ( 2 ) م د س ك ل : المال . ( 3 ) أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأعلم الشنتمري ( 410 - 476 ) كان عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار ، وكف بصره آخر عمره ( انظر : ابن خلكان 7 : 81 ، والصلة : 643 ، ومعجم الأدباء 20 : 60 ، ونكت الهميان : 313 ) . ( 4 ) أبو مروان ابن سراج : له ترجمة في القسم الأول من الذخيرة : 808 وفيه فصل من أشعار رثي بها ، وانظر صورة من هذه الخصومة بينه وبين الأعلم حول الرسالة الرشيدية في إحكام صنعة الكلام : 68 . ( 5 ) فيه إشارة إلى قول بشار ( ديوانه : 217 جمع العلوي ) : إذا أيقظتك حروب العدا * فنبه لها عمرا ثم نم